بقلم/ د. سحر حسن

” حين خانت الجيناتُ القاتلَ بعد عقدٍ من الزمان”
عشر سنوات مرت على اختفاء “نورا”. عشر سنوات كانت فيها قضيتها مجرد ملفٍ مهمل يكسوه الغبار في أرشيف القضايا المجهولة. بعد ان ظن القاتل أنه بعد ان غادر البلاد، وغير هويته، ودفن ذكرياته في مكانٍ لا يصله أحد فإنه من المستحيل أن يتم اكتشافه و العثور عليه أو حتى إدانته بشيء بسيط . لكن القتلة ينسون دائماً حقيقة واحدة هي أن الضحية تحتفظ بـ “توقيعهم البيولوجي” داخل خلاياها، وأن الزمن ليس عدواً للذاكرة فحسب ، ولكنه حليفٌ أبديٌّ للعدالة.
في إطار تطوير تقنيات التحقيق، أُعيد فتح ملف “نورا”. استخرجنا بقايا متعلقاتها الشخصية التي وُجدت في شقة مهجورة؛ قطعة قماش ممزقة من فستانها، خيوط من شالها الأحمر الحريري الذي طالما تزينت به لمن قرر نهايتها الابدية ، وخصلة شعر عالقة في فرشاة. كانت العينات متحللة بفعل الرطوبة، وهنا بدأت التحديات العلمية. لم يكن الأمر مجرد فحص روتيني، بل كان سباقاً مع التحلل الكيميائي.
في المختبر قمنا بإستخدام تقنية (SNP Analysis – تحليل تعدد أشكال النيوكليوتيدات المفردة)، وهي تقنية تسمح لنا باستعادة المعلومات الوراثية حتى من العينات المتضررة جداً. وعندما واجهناه، لم يكن يرتدي قناع الحب هذه المرة، بل قناع “الرعب” حين رأى تقاريرنا التي تثبت وجوده في تلك الشقة قبل عقدٍ من الزمان.و لم يكن الدافع غيرةً فحسب، بل كان إحدى تلك الدوافع التي يتحول فيها الخوف إلى رغبه في الالغاء “الخوف من الفضيحة”. نورا كانت تملك وثائق تدين القاتل في صفقاتٍ غير مشروعة و مشبوهه . كان يحبها، لكنه أحب نفوذه أكثر، فقرر بكل بساطة أن ينهي القصة ليحمي “صندوق أسراره” الخاص.
لكن القاتل ارتكب خطأً فادحاً؛ ظن أن “الوثائق” التي كانت تخفيها نورا -والتي كانت دافعاً لقتلها- قد اختفت لكن في الواقع، كانت نورا قد أخفت نسخة مشفرة في مكان لم يخطر على باله، مكان لا يمكن تدميره بالحرارة بل كان محفوظاً في “عينة أنسجة” تركها خلفه في غرفتها.
بعد أسابيع من العمل الشاق، ظهرت النتيجة و كان “المظهر الوراثي” (Genetic Profile) لا يطابق الجانب . فقد كان هناك أثرٌ لذكرٍ غريب. لم يكن لديه سجل جنائي في قواعد البيانات الوطنية، لكن تقنية “البحث الجيني العائلي” فتحت لنا باباً لم نتوقعه: لقد وجدنا “صلة قرابة” بين هذا الأثر وشخصٍ يعيش في مدينة مجاورة.تتبعنا الخيط.القاتل لم يترك بصمة في مسرح الجريمة، لكنه ترك “تاريخه الوراثي” في عائلته. من خلال مطابقة الحمض النووي لأحد أقاربه، وصلنا إلى القاتل الذي ظن أنه نجا.
العدالة في “جرائم قرمزية” لا تعرف التقادم. فبينما كان هو يخطط لمستقبله في بلدٍ آخر، كانت ذرةٌ من خلاياه تحكي قصة الماضي في مختبري.
نصيحة توعوية :
- “العلم لا ينسى”: في عصرنا الحالي، ومع التطور في قواعد بيانات الأنساب الجينية، أصبح “النسيان” مستحيلاً. لا توجد جريمة “مثالية” طالما أن العلم قادر على قراءة أصغر جزيء من المادة الوراثية.فالقاتل الذي يظن أن “الوقت” سينسيه جرمه، هو غافلٌ عن أن الضحية لا تزال تتحدث بصمت عبر كل خلية تُكتشف.عشر سنوات كانت كفيلة بأن ينسى الجميع اسم ‘نورا’، إلا العلم الذي حفظ توقيع قاتلها في ملفاته.
والآن، أسألكم: هل تعتقدون أن العدالة المتأخرة التي يحققها العلم بعد سنوات، توازي في قيمتها العدالة الفورية؟ أم أن الحقيقة تظل ناقصة كلما تأخر الكشف عنها؟”
